شهد الاقتصاد العالمي خلال القرن الماضي تحولات بنيوية عميقة غيّرت طبيعة العمل داخل المؤسسات، وطبيعة المنافسة بين الشركات.
في الاقتصاد الصناعي التقليدي الذي ساد معظم القرن العشرين، كانت الشركات تعتمد أساساً على الاستقرار التشغيلي والإنتاج الكمي لتحقيق النمو. فالمؤسسات كانت تنجح عبر تحسين كفاءة الإنتاج، وتوسيع الطاقة التصنيعية، وتقليل التكاليف التشغيلية. وكانت الأسواق في كثير من القطاعات مستقرة نسبياً، مما يسمح للشركات بالعمل لفترات طويلة بنفس النماذج التشغيلية.
لكن مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، بدأت طبيعة الاقتصاد العالمي تتغير بشكل جذري. فقد أدت العولمة، والتطور التكنولوجي السريع، وانتشار الاقتصاد الرقمي إلى خلق بيئة أعمال تتسم بسرعة التغيير وارتفاع مستوى المنافسة. ولم يعد بإمكان المؤسسات الاعتماد على نموذج عمل ثابت لفترات طويلة.
يشير المفكر الإداري Peter Drucker إلى أن التحول نحو اقتصاد المعرفة جعل القيمة الاقتصادية تعتمد بدرجة متزايدة على الابتكار والتطوير المستمر، وليس فقط على الإنتاج التقليدي.
وفي هذا السياق، أصبح التغيير سمة أساسية من سمات الاقتصاد الحديث.
هذا التحول يعني أن الشركات لم تعد تواجه تحدياً واحداً فقط وهو إدارة التشغيل بكفاءة، بل أصبحت تواجه تحدياً آخر أكثر تعقيداً وهو إدارة التغيير والتطوير داخل المؤسسة.
ومن هنا بدأ دور المشاريع في الظهور بشكل متزايد، باعتبارها الأداة الأساسية لتنفيذ هذا التغيير بطريقة منظمة.
يمكن ملاحظة هذا التحول من خلال العديد من الأمثلة في الاقتصاد العالمي. فشركة Kodak التي كانت تهيمن لعقود على سوق التصوير الفوتوغرافي، لم تفشل بسبب ضعف عملياتها التشغيلية، بل لأنها لم تنجح في إدارة التحول إلى التصوير الرقمي في الوقت المناسب. وعلى النقيض من ذلك، نجحت شركات أخرى في قيادة التحول الرقمي عبر تنفيذ مشاريع استراتيجية مكّنتها من التكيف مع تغيرات السوق.
هذا المقال من تأليف د. محمد تقي الأتاسي، ولا يجوز إعادة نشره أو اقتباس أجزاء منه دون إذن خطّي مسبق.